يتناول مواضيع دينبة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حكم الرواية عن المبتدع عند المتقدمين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 629
تاريخ التسجيل : 03/03/2013

مُساهمةموضوع: حكم الرواية عن المبتدع عند المتقدمين   السبت مارس 28, 2015 2:24 pm

حكم الرواية عن المبتدع عند المتقدمين

رواية الحديث عن المبتدع أمرٌ قد أشكل على الكثير من العلماء المتأخرين. ولكننا عندما نتتبع أقوال علماء الحديث المتقدمين نجدهم يسيرون على منهج واحد. فنجد الحكم يختلف باختلاف البدعة، وهو أمرٌ كثيرٌ ما حيّر المتأخرين. كما أنهم يفرقون فيما يروي لينصر مذهبه وبين غير ذلك.

ومن هنا أتى التفريق بين الداعية وغير الداعية. ووجه ذلك –كما أشار ابن حجر في الميزان– أن المبتدع إذا كان داعية، كان عنده باعث على رواية ما يشيد به بدعته. وكبار التابعين أطلقوا ذلك كما قال ابن سيرين في ما أخرجه عنه مسلم (1|15): «لم يكونوا (أي الصحابة وكبار التابعين من طبقته) يسألون عن الإسناد. فلما وقعت الفتنة، قالوا سموا لنا رجالكم: فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم».

وتعليل ذكر الداعية خاصة لحرصه على الاحتجاج لمذهبه والدعوة إليه، أي لوجود سبب قوي عنده يدعوه لوضع الحديث، أو التدليس عن وَضَّاع، أو ما يشابه ذلك. ولا تكاد تجد فرقة إلا ووجدت فيها من يستحل مثل ذلك. حتى الخوارج حكى عنهم ابن لهيعة هذا. بل حتى بعض جهلاء أهل السنة المنتسبين إلى الوعاظ والعباد، كان بعضهم يضع الأحاديث في الفضائل! إنظر مقدمة صحيح مسلم.

فإن قيل إذا كان المبتدع الداعية معروفاً بالصدق، فلِمَ ترفضون الأخذ عنه فيما وافق بدعته؟ نقول: إن الداعية –وإن كان صادقاً غير متعمد الكذب– فإن في نفْسهِ هوىً لما يدعوا إليه قَلَّما يَسلمُ منه مخلوق. فقد يحصل له ميلٌ إلى ما يدعو إليه، فيدخُلُ عليه الخطأ من حيث لا يَعلم، من جهة أنهُ قد يميلُ إلى لفظةٍ وردت فيه ما يَحتجّ به، رغم أن غيرها أصح. وهذا ميلٌ غير مُتَعَمَّد. وقد يكون متعمّداً وهو صالحٌ في نظر نفسه، لكنه يظنّ أنه ينال الثواب بكذبه في سبيل نشر بدعته. قال الخطيب البغدادي: «إنما مَنَعوا أن يُكتَبَ عن الدُّعاة خوفاً من أن تحملهم الدعوة إلى البدعة والترغيب فيها، على وَضعِ ما يُحَسّنُها. كما حَكَينا عن الخارِجِيّ التائبِ قوله: "كُنّا إذا هَوَينا أمراً، صَيَّرناهُ حديثاً"».

ونقل ابن حِبّان الإجماع على عدم الاحتجاج بالمبتدع الداعية (فيما يروّج بدعته) عن كل من يُعْتَد بقوله في الجرح والتعديل. فقال في كتابه المجروحين (3|64): «الداعية إلى البدع، لا يجوز أن يُحتَجّ به عند أئمتنا قاطبةً. لا أعلم بينهم فيه خلافاً». و قال ابن حبان في الثقات (6|140): «ليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلافٌ أن الصدوق المتقن: إذا كان فيه بدعة –ولم يكن يدعو إليها– أن الاحتجاج بأخباره جائز. فإذا دعا إلى بدعته، سقط الاحتجاج بأخباره». وقال الحاكم في معرفة علوم الحديث (ص15): «ومما يحتاج إليه طالب الحديث في زماننا هذا: أن يبحث عن أحوال المحدث أولاً: هل يعتقد الشريعة في التوحيد؟ وهل يُلزم نفسه طاعة الأنبياء والرسل –صلى الله عليهم– فيما أوحي إليهم ووضعوا من الشرع؟ ثم يتأمل حاله: هل هو صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه؟ فإن الداعي إلى البدعة لا يُكتب عنه ولا كرامة، لإجماع جماعة من أئمة المسلمين على تركه». فقد نقل الإجماع كذلك على ترك المبتدع الداعية لبدعته.

والإمام مسلم موافقٌ لهذا الإجماع إذ قال في مقدّمة صحيحه (صCool: «واعلم -وفقك الله- أنّ الواجب على كُلِّ أحدٍ عَرَفَ التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثِقات الناقلين لها من المتهمين: أن لا يروي منها إلا ما عَرَفَ صِحّة مخارجه والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع». وقال عبد الرحمن بن مهدي كما في الكفاية (1|126): «من رأى رأياً ولم يدعُ إليه احتُمِل. ومن رأى رأياً ودعا إليه فقد استَحَقّ التَّرك». وقال الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (53): «أصل عدالة المحدث: أن يكون مسلماً لا يدعو إلى بدعة ولا يعلن من أنواع المعاصي ما تسقط به عدالته». وقال أحمد بن حنبل كما في الكفاية (144): «لا تكتب عن ثلاثة: صاحب بدعة يدعو إلى بدعته، أو كذاب فإنه لا يُكتَب عنه قليلٌ ولا كثير، أو عن رجل يغلط فيُردّ عليه فلا يَقبل».

وقد نصّ الإمام الجوزجاني على هذا المنهج بنفسه، فقال في كتابه "أحوال الرجال" (ص32): «ومنهم زائِغٌ عن الحقّ، صدوق اللهجة، قد جرى في الناس حديثه: إذ كان مخذولاً في بدعته، مأموناً في روايته، فهؤلاء عندي ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يُعرَف، إذا لم يُقَوِّ به بدعته، فيُـتَّهم عند ذلك». وهذا المذهب هو ما عليه جمهور المحدثين من أهل السنة والجماعة. وقد نقل ابن حجر هذه العبارة مُقِراً لها في لسان الميزان (1|11)، وأضاف قالاً: «وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى».

وفي كل الأحوال فإن من الأئمة من كان لا يروي عن المبتدع مطلقاً كالتابعين في طبقة ابن سيرين فما فوقه. وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي إسحاق الفزاري عن زائدة عن هشام عن الحسن قال: «لا تسمعوا من أهل الأهواء». فمن تبنى هذا الرأي فله سلف.

الآثار عن الأئمة المتقدمين
روى مسلم في صحيحه (1|14) عن محمد بن سيرين قال: «إن هذا العِلمُ دينٌ، فانظروا عمّن تأخذونَ دينكم». وقد ذكر الخطيب في "الكفاية في علم الرواية" (1|120) عدة آثار عن السلف في ذلك في باب "ما جاء في الأخذ عن أهل البدع والأهواء والاحتجاج بروايتهم". وإليك خلاصتها:

قال أنس بن سيرين في مرضه: «اتقوا الله يا معشر الشباب، وانظروا عمن تأخذون هذه الأحاديث، فإنها من دينكم». وقال علي بن حرب الموصلي: «من قدر أن لا يكتب الحديث إلا عن صاحب سُـنَّة، فإنهم (أي أهل البدع) يكذبون: كلّ صاحبِ هوىً يكذبُ ولا يُبالي». وقيل ليونس بن أبى إسحاق: لِمَ لَمْ تحمِل عن ثوير بن أبي فاختة؟ قال: «كان رافضياً». وقال الحُمَيدي: «كان بِشْرُ بن السرّى جَهميّاً لا يَحِلُّ أن يُكتَبَ عنه». وقيل لابن المبارك: سمعت من عَمْرِو بن عُبَيْد (رأس المعتزلة الأوائل)؟ فقال بيده هكذا –أي كِثرة–. فقيل: فلم لا تسمّيه (أي تروي عنه) وأنت تسمِّي غيره من القدرية؟ قال: «لأن هذا كان رأساً» (أي داعية). وقيل له: تركتَ عَمْرَو بن عبيد، وتُحدِّث عن هشام الدّسْتوائى وسعيد وفلان وهم كانوا في أعداده (يقصد أنهم قدرية لا أنهم معتزلة). قال: «إن عَمْراً كان يدعو». مع أن عَمْراَ قد وثقه البعض، وروى عنه شعبة في أول أمره، ثم تركه لما أظهر بدعته.

وقال علي بن المديني: قلتُ ليَحيى بن سعيد القطان: إن عبد الرحمن بن مهدي قال: «أنا أتركُ من أهل الحديث كلّ من كان رأساً في البِدعة». فضَحِكَ يحيى بن سعيد فقال: «كيفَ يَصنعُ بقتادة؟ كيف يَصنعُ بعمز بن ذر الهمذاني؟ كيف يصنع بابن أبي رواد (يقصد عبد العزيز وكان مرجئاً غير داعية)؟». وعَدَّ يحيى قوماً أمسكتُ عن ذِكرِهم. ثم قال يحيى: «إن ترَك عبد الرحمن هذا الضّرب، ترك كثيراً». ويبدو أن يحيى القطان قد غَفِل عن قول ابن مهدي «كان رأساً» أي داعية. فإن الأمثلة التي سردها القطان كانت لرواة ثقات غير دعاة لبدعتهم، فلا يعارض قوله قول ابن مهدي. بل إن ابن مهدي نفسه روى عن محمد بن راشد مع علمه بأنه قدري. فلا تعارض بين الاثنين.

التفريق بين البدعة الخفيفة والغليظة
ويبدو أن المتقدمون قد فرقوا أيضاً بين البدعة الخفيفة والبدعة الغليظة. فالبدعة الخفيفة (كالإرجاء والخروج) هناك نزاع في قبول رواية أصحابها من الدعاة. والبدعة المتوسطة (النصب والتشيع والقدر) يُقبل من غير الداعية وتُرَدّ رواية الداعية. والبدعة الغليظة (الرفض والتجهّم والاعتزال) تُرَدُّ رواية أصحابها.

المرجئة
فمن البدع الخفيفة الإرجاء، وغالباً يقصد به إرجاء الفقهاء من جنس الذي أتى به حماد وتلميذه أبو حنيفة من التفريق اللفظي –لا العملي– بين الإيمان والإسلام، لا كما مرجئة عصرنا الذي غالوا حتى سبقوا الجهمية. قال أحمد في رواية أبي داود: «احتملوا من المرجئة الحديث. ويُكتَبُ عن القَدَري إذا لم يكن داعية». وقال المروزي: «كان أبو عبد الله (أحمد بن حنبل) يحدِّثُ عن المرجئ إذا لم يكن داعياً. ولم نقِف على نصٍّ في الجّهمي أنه يُروى عنه إذا لم يكن داعياً. بل كلامه فيه عامٌّ أنه لا يروى عنه». و قال أحمد بن أبى يحيى: سمعت أحمد بن حنبل و ذكر شبابة، فقال: «تركته، لم أكتب عنه للإرجاء». فقيل له: «يا أبا عبد الله، و أبو معاوية؟». فقال: «شبابة كان داعية».

قال ابن رجب في "شرح علل الترمذي": «فيخرجُ من هذا أن البدع الغليظة يُردُ بها الرواية مطلقاً، والمتوسطة كالقدر إنما يرد رواية الداعي إليها، والخفيفة كالإرجاء هل يقبل معها الراوية مطلقاً، أو يرد عن الداعية؟ على روايتين».

الخوارج
ومن البدع الخفيفة (أي من حيث قلة تأثيرها على صدق الراوي) بدعة الخوارج. قال الآجري: «سمعت أبا داود سليمان بن الأشعث يقول: "ليس في أصحاب الأهواء أصحُّ حديثاً من الخوارج". ثم ذَكَرَ عمران بن حطان وأبا حسان الأعرج». وقد احتجّ البخاري بعمران بن حطان في حديث واحدٍ بصحيحه واستشهد به في آخر.

وليس هذا معناه اتفاق المحدثين على الرواية عن دعاة الخوارج، فقد قال الدارقطني في "التتبع" (#117): «وأخرج البخاري حديث عمران بن حطان عن ابن عمر عن عمر في لبس الحرير. وعمران متروكٌ لسوء اعتقاده وخبث رأيه. والحديث ثابت من وجوهٍ عن عمر عن عبد الله مولى أسماء وغيره عن ابن عمر عن عمر».

وقال البدرُ العيني في "عمدة القاري" (22|13): «عمران بن حطان كان رئيس الخوارج وشاعرَهم. وهو الذي مَدَح ابنَ مُلْجَم قاتِلَ علي بن أبي طالب t بالأبيات المشهورة. فإن قلت: كان تركُهُ من الواجبات. وكيف يُقبَلُ قولُ من مَدَح قاتِلَ علي t؟ قلتُ: قال بعضهم (يقصد ابن حجر): "إنما أخرج له البخاري على قاعدته، في تخريج أحاديث المبتدع إذا كان صادق اللهجة متديّناً". قلت (القائل العيني): ليس للبخاري حجة في تخريج حديثه. ومسلمٌ لم يخرج حديث. ومن أين كان له صدقُ اللهجة، وقد أفحش في الكذب في مدحه ابنَ ملجم اللعين؟ والمتدين كيف يفرح بقتل مثل علي بن أبي طالب t حتى يَمدَحَ قاتلَه؟!».

وثبت كذلك عن بعض الخوارج وضع الحديث. وقد روى الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (1|137): عن عبد الله بن يزيد المقرئ ثنا ابن لهيعة قال: «سمعت شيخاً من الخوارج تاب ورجع، وهو يقول: "إن هذه الأحاديث دينٌ، فانظروا عمّن تأخذون دينكم. فإنّا كُـنّا إذا هَوَينا أمراً، صَيَّرناهُ حديثاً"». وهذه القصة صحيحة قال عنها ابن حجر في لسان الميزان (1|10): «حَدَّثَ بها عبد الرحمن بن مهدي الإمام عن بن لهيعة. فهي من قديم حديثه الصحيح». على أن هذا قليلٌ في الخوارج.

القدرية
أما البدع المتوسطة كالقدر فيُروى عن غير الداعية (فيما لا ينصر بدعته) بلا خلاف. وأما الداعية فلا.

فقد روى مالك –على تشدده مع أهل البدع– عن داود بن الحُصَينِ، وثورِ بنِ زيد، وهما قدريّان غير داعِيان. قال ابن حبان في "الثقات" (6|284) عن داود بن الحصين: «كل من تَرَكَ حديثه –على الإطلاق– وَهِمَ، لأنه لم يكن داعية إلى مذهبه. والدعاة يجب مجانبة رواياتهم على الأحوال. فأما من انتحل بدعة، ولم يدع إليها، و كان متقِناً، كان جائز الشهادة محتجّاً بروايته».

وقد يتعارض فعل مالك مع ما قاله ابن وهب: سمعت مالك بن أنس يقول: «لا يُصَلَّى خلف القدرية، ولا يُحمل عنهم الحديث». لذلك نحمل قوله الثاني على أنه يقصد القدرية الغلاة (كالمعتزلة وكغيلان وأمثاله ممن قاربوا الكفر أو وصلوا إليه) أو أنه يقصد القدرية الدعاة لمذهبهم، فهؤلاء لا يُحمل عنهم الحديث باتفاق العلماء. وبعض القدرية كان معروفاً بالصدق كالدستوائي، بينما بعضهم كان يضع الحديث ويحتسب في ذلك الأجر! قال زهير بن معاوية كما في لسان الميزان (1|11): «حدّثَنَا محرز أبو رجاء –وكان يرى القدر فتاب منه– فقال: "لا ترووا عن أحدٍ من أهل القَدَرِ شيئاً. فو الله لقد كُنَّا نضعُ الأحاديث نُدخِلُ بها الناس في القَدَرِ نَحتَسِبُ بها"».

وقال عباس الدوري في سؤالاته (4|139) ليحيى بن معين: «هكذا تقول في كل داعية: "لا يُكتَبُ حديثه إن كان قدريّاً أو رافضيّاً"، ذلك من الأهواء ممّن هو داعية؟». قال (ابن معين): «لا نكتب عنهم إلا أن يكونوا ممّن يُظنّ به ذلك (أي يُظن به الابتداع) ولا يدعو إليه، كهشام الدستوائي وغيره ممّن يرى القدَرَ ولا يدعو إليه».

فابن معين يرفض الرواية عن القدري الداعية وعن الرافضي بكل أحاوله. وإنما يجيز الرواية عمّن اتُّهِمَ بالقدر ولم يدعو إليه. ويؤيّد هذا أيضاً ما قاله الحافظ محمد بن البرقي: قلت ليحيى بن معين: «أرأيت من يُرمى بالقدر. يكتب حديثه؟». قال: «نعم. قد كان قتادة وهشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة وعبد الوارث –وذكر جماعة– يقولون بالقَدَرِ، وهُم ثِقاتٌ يُكتبُ حديثهم، ما لم يدعوا إلى شيء».

وقال إبراهيم الحربي: قيل لأحمد بن حنبل: «يا أبا عبد الله، سمِعتَ من أبي قطن القَدَري؟». قال: «لم أرَهُ داعية. ولو كان داعية لم أسمع منه». وقال محمد بن عبد العزيز الأبيوردي: سألتُ أحمد بن حنبل: «أيُكتب عن المرجئ والقدري؟». قال: «نعم، يُكتَبُ عنه إذ لم يكن داعياً». وقال أبو داود سليمان بن الأشعث السجزي (وثّقه ابن أبي حاتم): قلتُ لأحمد بن حنبل: «يُكتَبُ عن القدري؟». قال: «إذا لم يكن داعياً».

النصب
ومن البدع المتوسطة النصب، وهو مناصبة العداء لعلي بن أبي طالب وبنيه، كشتمهم أو انتقاصهم أو بغضهم. وإجمالاً فإن النواصب كان معروفاً عنهم الصدق والتدين. قال ابن حجر في تهذيب التهذيب (8|410): «فأكثر من يوصَفُ بالنّصْبِ يكون مشهوراً بصِدقِ اللهجة والتمسّك بأمور الديانة. بخلاف من يوصَفُ بالرّفضِ، فإن غالبهم كاذبٌ ولا يتورّع في الإخبار».

ومثال ذلك مثلاً العابد الزاهد مُرّة بن شراحيل الهمداني. وقد كان ناصبياً، لكنهم وثقوه وأخذوا حديثه (في غير بدعته). ففي تاريخ ابن معين (رواية الدوري) (4|30): «سمعت يحيى يقول: مرة بن شراحيل هو مرة الطيب. وإنما سُمِّيَ الطيّب لعبادته». وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب (10|80): «معروفٌ بمرة الطيب ومرة الخير. لُقِّب بذلك لعبادته». وقال: «سجد مرة الهمداني حتى أكل التراب وجهه». وقال عنه العجلي: «تابعي ثقة، وكان يصلي في اليوم والليلة خمسمئة ركعة». ونقل يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (3|239): «عن عمرو بن مرة قال: سمعت مُرة ينتقص علياً، فقلت له: تقول هذا لرجل من أصحاب النبي؟ قال: ما ذنبي إن كان خيره سبقني وأدركني شره؟». ولا ريب أن النصب معصية كبيرة. ولكن قالوا: صدقه لنا، وبدعته عليه. والذي نشير إليه هو صحة ما ذكره ابن حجر بأن أكثر من يوصَفُ بالنّصْبِ يكون مشهوراً بصِدقِ اللهجة والتمسّك بأمور الديانة، بخلاف الروافض.

ثم الناصبة قسمين: الناصبة اعتقدوا أن علياً t قتل عثمان t أو كان أعان عليه أو أقر بذلك، وعثمان خيرٌ من علي بلا أدنى ريب. فكان بغضهم له، ديانة بزعمهم. وهذه الطائفة لم تلبث قليلاً إلا وانقرضت. ثم انضم إلى النواصب من قُتِلَ أقاربه في حروب علي. فالنصب من هؤلاء دنيويٌّ، لا يكون إلا بدافِعٍ سياسي وردة فِعلٍ لغلوِّ الشيعة. فهو موقِفٌ شخصيٌّ لا ينسحب على بقية صفات المسلم. أما الشيعة الصحابة وأهل السنة فهي تبغض تديناً وعقيدةَ، وينسحب ذلك على صدقهم ونقلهم. وبهذا شرح ابن حجر سبب كثرة الصدق في النواصب، وكثرة الكذب في الروافض.

قال ابن حجر في تهذيب التهذيب (8|410): «عن مطر بن حمران، قال: كُنّا عند أبي لبيد (لمازة بن زبار). فقيل له: أتحب علياً؟ فقال: أحب علياً وقد قتل من قومي في غداة واحدة ستة آلاف؟! ». فهذا شعور نفسي لا علاقة له بالدين. بعكس الشيعة فإن أصل عقيدتهم تضليل الصحابة. وهم يعترفون بأنهم أول من وضع الأحاديث الموضوعة وكذبوا على رسول الله r. قال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد": «وضعت الرافضة في فضائل علي tوأهل البيت، نحو ثلاث مئة ألف حديث». قال ابن القيم في "المنار المنيف": «ولا تستبعد هذا. فإنك لو تتبعت ما عندهم من ذلك لوجدت الأمر كما قال».

واحتج خصومنا بما روى البخاري (5|2233) ومسلم (1|197) في الصحيحين: عن قيس بن أبي حازم أن عمرو بن العاص قال: سمعت النبي r جِهاراً غيرَ سِرٍّ يقول: «إنّ آلَ أبي (طالب) ليسوا بأوليائي. إنما وليِّيَ اللهُ وصالحُ المؤمنين. ولكن لهُم رَحِمٌ أبُـلُّـهَا بِبَلاهَا» (يعني أَصِلُهَا بِصِلَتِهَا). قالوا: قيس بن أبي حازم الكوفي قد نسب إلى النّصب. فهذا دليلٌ على جواز الرواية عن النواصب فيما ينشر بدعتهم. قلنا: بل هو ثقة ثبت مخضرم بمرتبة الزهري كاد أن يكون صحابياً (كما قال الذهبي)، وما ثبت عنه النصب أبداً. إنما اتهمه بعض الكوفيين الشيعة بتلك التهمة بلا دليل، وقالوا أنه يُقدّم عثمان على علي (أي بخلاف مذهبهم في تفضيل علي). وقد روى عنه أثبات الكوفة هذا الحديث وغيره. وقد يكون هذا الحديث الذي جعلهم يتهموه بالنصب، وليس بدليل كما ترى. وهو ثبت أجمعوا على الاحتجاج به كما قال الذهبي. وليس في الحديث ما يقوي النصب كما أفاد ابن حجر في شرح الحديث، فسقطت حجتهم.

التشيّع
أكثر العلماء لا يرون رد الحديث لمجرد التشيع فيما لا ينصر تلك البدعة. والمقصود بالتشيع هو تفضيل علي على عثمان –رضي الله عنهما–. والغلو في التشيّع يكون بتفضيل علي على أبي بكر وعمر كذلك. وهذا ينطبق على الزيدية، أما الإثني عشرية فهم رافضة بدعتهم مغلّظة. وكان التشيع مذهب غالب أهل الكوفة، ثم انتشر إلى سائر العراق، ثم إلى كثير من البلدان الأخرى.

وكان الإمام أبو حنيفة يرى عدم جواز الرواية عن الشيعة الغلاة على الإطلاق. وقد نقل الخطيب في "الكفاية" (1|126): قال ابن المبارك: سأل أبو عصمة أبا حنيفة: «ممن تأمرني أن أسمع الآثار؟». قال: «من كُلِّ عَدلٍ في هواه، إلا الشيعة –فإن أصل عقدهم تضليل أصحاب محمد r– ومن أتى السلطان طائعاُ. أما إني لا أقول أنهم يكذبونهم أو يأمرونهم بما لا ينبغي، ولكن وطَّأوا لهم حتى انقادت العامة بهم. فهذان لا ينبغي أن يكونا من أئمة المسلمين».

قال الذهبي في "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" (1|118): «لقائِلٍ أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وَ حَـدُّ الثقةِ العدالةُ والإتقان. فكيف يكون عَدلاً من هو صاحب بدعة؟ وجوابه أن البدعة على ضربين: فبدعة صُغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرّف. فهذا كثيرٌ في التابعين وتابعيهم، مع الدِّين والورَعِ والصِّدق. فلو رُدَّ حديثُ هؤلاء، لذهب جملةً من الآثار النبوية. وهذه مفسدةٌ بيِّـنة. ثم بدعةٌ كبرى كالرفض الكامل، والغلوّ فيه، والحطّ على أبي بكر وعمر –رضي الله عنهما–، والدعاء إلى ذلك. فهذا النوع لا يُحتجّ بهم ولا كرامة. وأيضاً فما أستَحضِرُ الآن في هذا الضّربِ رجُلاً صادِقاً ولا مأموناً. بل الكذِبُ شعارُهم، والتقيّة والنّفاق دثارُهم. فكيف يُقبلُ نقلُ من هذا حاله؟! حاشا وكلاّ. فالشيعي الغالي في زمان السلف وعُرفِهِم: هو من تكلَّم في عُثمان والزّبير وطلحة ومعاوية وطائفةٍ ممن حارب علياً t، وتعرَّض لسبِّهم. والغالي في زماننا وعُرفنا، هو الذي يُكفِّر هؤلاء السادة، ويتبرَّأ من الشيخين أيضاً. فهذا ضالٌّ مُعَثّر».

واحتجّ خصومنا بأن عدداً من العلماء قد احتج بعبد الرزاق وهو ثقة ثبت شيعي. ويدل على ذلك ما رواه أبو بكر بن أبى خيثمة، قال: سمعت يحيى بن معين و قيل له: «إن أحمد بن حنبل قال: إن عبيد الله بن موسى يُرَدُّ حديثُه للتشيع». فقال: «كان والله الذي لا إله إلا هو عبد الرزاق أغلى في ذلك منه مئة ضعف. و لقد سمعت من عبد الرزاق أضعاف أضعاف ما سمعت من عبيد الله».

قلنا: ولكن عبد الرزاق لم يكن من الشيعة الغلاة، وغاية الأمر أنه يفضّل علياً على عثمان ويُعرّض بمعاوية (وهذا أقل من السب). ويدلك على ذلك قوله بنفسه: «واللهِ ما انشرح صدري قط أن أُفَضِّلَ عليّاً على أبي بكر و عمر. رحم الله أبا بكر و رحم الله عمر و رحم الله عثمان و رحم الله علياً. من لم يحبّهم فما هو مؤمن». و قال: «أوثق عملي حبي إياهم». و قال: «أُفَضِّلُ الشيخين بتفضيل علي إيّاهُما على نفسه. و لو لم يفضِّلهما لم أفضّلهما. كفى بي آزرا أن أُحِبَّ عليّاً ثم أخالف قوله». قال أبو داود: «و كان عبد الرزاق يُعَرِّضُ بمُعاوية».

وفوق أن تشيعه خفيف، فإنه ما كان بداعية لمذهبه. قال أحمد كما في طبقات الحنابلة (1|182): «عبد الرزاق الصنعاني ما سمعنا مما قيل عنه (في التشيع) شيئاً. لم يبلغنا أنه كان يدعو إلى مذهبه. وأما عبيد الله بن موسى، فإنه كان يدعو إلى مذهبه، فتركت الرواية عنه». وهذا مهم في التفريق بين الداعية وغير الداعية.

ورغم أن عبد الرزاق لم يكن من الغلاة كما ترى، فإن أهل الحديث أعرضوا عما يرويه في الفضائل مع إقرارهم بصدقه. قال ابن عدي: «و لم يروا بحديثه بأساً، إلا أنهم نسبوه إلى التَّشيُّع. و قد روى أحاديث في الفضائل مما لا يوافِقه عليه أحدٌ من الثقات، فهذا أعظم ما ذَمّوه من روايته لهذه الأحاديث، و لما رواه في مثالِبِ غيرهم». فهذا حجةً لنا لا لهُم.

الرفض
قال ابن الجنيد: سمعت ابن معين ذَكَرَ حُسيناً الأشقر، فقال: «كان من الشيعة الغالية». قلت: فكيف حديثه؟ قال: «لا بأس به». قلت: صدوق؟ قال: «نعم، كتبت عنه». و ذكره العقيلي في "الضعفاء" (1|249)، وأورد عن أحمد بن محمد هانئ الأثرم قال: قلت لأبى عبد الله (يعني أحمد بن حنبل): «حسين الأشقر، تُحدِّث عنه؟». قال: «لم يكن عندي ممّن يكذب في الحديث». وذكر عنه التشيع، فقال له العباس بن عبد العظيم: «حدَّثَ في أبي بكرٍ وعمر». فقلت له: «يا أبا عبد الله، صنّفَ باباً فيه معايب أبي بكرٍ وعمر». فقال: «ما هذا بأهلٍ أن يُحَدَّثَ عنه». قلت: فهذا ابن معين وأحمد وثقا الأشقر مع علمهما بغلوّه في التشيّع. فلمّا علِمَ أحمد بأنه وصل في الغلو لدرجةٍ قريبةٍ من الرفض (الطعن في الشيخَين)، فإنه رجع عن الرواية عنه.

ومثال آخر على شيعي تركوه بعدما أظهر الغلو هو عباد بن يعقوب الرواجني الكوفي. وكان يشتم عثمان، و كان يقول: «الله أعدل من أن يدخل طلحة و الزبير الجنة، قاتلا علياً بعد أن بايعاه». قال ابن خزيمة في صحيحه (2|376): «حدّثنا عَبّاد بن يعقوب المُتّهم في رأيه الثقة في حديثه...». لكن رواية ابن خزيمة عن عَبّاد بن يعقوب هي في شيءٍ خارِجٍ عن بدعته التي يدعو إليها. عدا أنه رجع عن ذلك. قال الخطيب في الكفاية (1|131): «قد تَرَك ابن خزيمة –في آخر أمره– الرواية عن عباد. وهو أهْلٌ لأن لا يُروى عنه». أما أن البخاري قد روى عنه ففي الشواهد فقط، وربما خفي غلوّه على البخاري. قال ابن حجر في هدي الساري (ص412): «روى عنه البخاري في كتاب التوحيد حديثاً واحداً مقروناً، وهو حديث بن مسعود "أي العمل أفضل". وله عند البخاري طرقاً أخرى من رواية غيره».

وتعجّب الذهبي من روايتهم عن مثل هذا فقال في سير الأعلام (11|538): «وما أدري كيف تسمّحوا في الأخذ عمّن هذا حاله. وإنما وُثقوه بصدقه». وسُئِلَ الحافظ أبو بكر الصاغاني محمد بن إسحاق عن أحاديث لعباد بن يعقوب، فامتنع منها، ثم قال: «قد كنت أخذت عنه بشريطة. والآن فإني أرى إن لا أحدث عنه لغلوه». و قال ابن حبان: «كان رافضيّاً داعية».

مع أن عبّاد هذا زيدي وليس برافضي كما زعم ابن حبان. ولم يصل به الغلو للتعرض للشيخين بشيء. ورغم ذلك فقد نقل ابن عدي في "الكامل" (2|86) عن ابن معين قوله: «كلّ من شتم عثمانَ أو أحداً من أصحاب رسول الله t: دجّالٌ ملعونٌ، لا يُكتَبُ حديثُهُ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». وقال ابن الجنيد كما في "سؤالاته" ليحيى بن معين (559، 869): سأل رجل يحيى عن يونس بن خباب؟ فقال: «ليس بذاك، كان يشتم أصحاب النبي r. كان يشتم عثمان. ومن شتم أصحاب النبي r فليس بثقة».

وروى الخطيب في الكفاية (1|49) أنا أبا زُرعة الرازيّ قال: «إذا رأيتَ الرجلَ ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله r، فاعلم أنه زنديق. وذلك أن الرسول r عندنا حق، والقرآن حق. وإنما أدّى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله t. وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليُبطلوا الكتاب والسنة. والجّرحُ بهم أولى، وهم زنادقة».

وصدق أبو يوسف القاضي (صاحب أبي حنيفة) –إذ سُئِلَ عن شهادة من يسُبُّ السلف الصالح– فقال: «لو ثَبَتَ عِندي على رجُلٍ أنه يسبُّ جيرانه، ما قبِلتُ شهادته. فكيفَ بمن يسبّ أفاضل الأُمة؟!». وأخرج مسلم في صحيحه (1|16) عن علي بن شقيق قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول على رؤوس الناس: «دعوا حديث عمرو بن ثابت، فإنه كان يسبُّ السلف».

وقال حرملة بن يحيى: سمعت الشافعي يقول: «لَمْ أرَ أحداً من أهل الأهواء أشهد بالزُّور من الرافضة». وقال أشهب: سُئِلَ مالك عن الرافضة فقال: «لا تكلّمهم ولا تروِ عنهم، فإنهم يكذِبون». وقال يزيد بن هارون: «يُكتبُ عن كل صاحب بدعة –إذا لم يكن داعية–، إلا الرافضة فانهم يكذبون». أما البخاري فلا يجد فرقاً بين الرافضي واليهودي. قال البخاري في خلق أفعال العباد (ص125): «ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي، أم صليت خلف اليهود والنصارى. ولا يسلم عليهم ولا يعادون ولا يناكحون ولا يشهدون ولا تؤكل ذبائحهم».

واعترضوا بما رواه الخطيب في الكفاية (1|126): قال أبو يوسف القاضي (صاحب أبي حنيفة): «أجيز شهادة أهل الأهواء –أهل الصدق منهم– إلا الخطابية (رافضة) والقدرية الذين يقولون إن الله لا يعلم الشيء حتى يكون». وقال الشافعي: «وتُقبَلُ شهادةُ أهلِ الأهواء إلا الخطابيّة من الرافضة لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم». قلنا: هذا الكلام هو عن الشهادة القضائية، لا عن رواية الحديث. ومعلومٌ أن من كانت شهادته مردودة لسقوط عدالته، فهو ليس ثقة ولا يروى الحديث عنه. قال يزيد بن هارون كما في الجرح والتعديل (2|31): «لا يجوز حديث الرجل حتى تجوز شهادته». لكن العكس غير صحيح! فمن كان ضعيفاً لا يُكتب حديثه، فهذا لا يعني عدم قبول شهادته في المحكمة إن كان صادقاً.

واعترضوا بما أخرجه مسلم عن الأعمش (مدلّس) عن عديّ بن ثابت (قال الدراقطني: رافضيٌّ غالٍ) عن زر قال: قال علي بن أبي طالب t: «والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النبي الأمّي إليّ أنّ لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق». وعدي بن ثابت رافضيٌ داعية من علماء الشيعة. وهو اعتراضٌ جيد لو اتفق الحفاظ على تصحيحه، لكنهم ما وافقوا مسلماً على تصحيح هذا الحديث، على فرض أنه صححه (إذ أخرجه في آخر الباب كأنه أراد إبراز علته)، وقد انتقده الحافظ الدارقطني في "الإلزامات والتتبع" (#142). وقد بيّنا علل هذا الحديث في موضع آخر، وأطلنا في البحث جداً. وهو لا يصلح كاعتراض على ما أثبتناه من اتفاق السلف على النهي عن الرواية عن الشيعة الغلاة فيما يؤيد بدعتهم. والإمام مسلم يقر بذلك كما أوضح في مقدمته كما نقلناه قبل قليل. فإن أمر عدي بن ثابت قد يخفى عليه، إذا لم يصفه بالغلو كل من ترجم له. بل ما وصفه بالرفض إلا الدارقطني في رواية وحيدة عنه. وحتى يستقيم لهم المثال لا بد أن يأتوا بإمام يصف راوياً بأنه شيعي غالٍ ثم يصحح حديثه –الذي تفرد به– فيما يؤيد بدعته. ودون ذلك خرط القتاد. وقولي "الذي تفرد به" احتراز مهم، لأن ذكره في الشواهد مسألة أخرى. فإذا كان ليّن الحديث يستشهد به، فمن باب الأولى الثقة المبتدع.

الاعتزال والتجهم
أما الاعتزال والتجهم وسائر البدع التي اختلف العلماء في تكفير أصحابها ورؤوسها، فلا يجوز كتابة الحديث عنهم في أي حال. وناهيك أن مؤسس مذهب المعتزلة (عمرو بن عبيد) قد تركوا الحديث عنه وطعنوا في عدالته لخبث معتقده. قال نعيم بن حماد: قلت لابن المبارك: «لأي شيءٍ تركوا عَمْرَو بن عُبيد؟». قال: «إن عَمْراً كان يدعوا إلى القدر». وقال عنه ابن حجر في "التقريب": «اتهمه جماعة مع أنه كان عابداً». أما أتباع الجهم بن صفوان فأمرهم واضحٌ جداً. والله الموفق للصواب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://almobine.moontada.com
 
حكم الرواية عن المبتدع عند المتقدمين
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المبين :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: